الرئيسية - ثقافة وأدب - الحادثة عندما تتحول إلى مادة تاريخية وأدبية
الحادثة عندما تتحول إلى مادة تاريخية وأدبية
الساعة 01:24 صباحاً (الأحرار نت/ القاهرة/ أحمد مروان:)
يعمل الباحث نصير عواد، في كتابه "إعادة إنتاج الحادثة دراسة تطبيقية في الكتابة السير ذاتية”، على مساءلة التاريخ عن فكرة الحادثة، والعودة إليها لتحليلها من منظور جديد، فالحادثة ليست سردا أو واقعا متشابها في جميع أشكال الكتابة؛ خاصة في الكتابة السيرذاتية لأنها وافدة وجديدة بما تمتلكه من أساليب وعوالم ومساحات للحرية والروي، خصوصا وأن عالمنا العربي يملك حاضنات وأنماط حياة مختلفة في التفاصيل عن غيرها.

فالمؤلف يرى أن التاريخ العربي والإسلامي ارتبط منذ البدايات بالأخبار والسير والتراجم، تزعم ذلك أئمة كبار علماء الأنساب والوقائع حيث يمتد السرد التاريخي أو فعل التأريخ إلى بدايات الخلق والتكوين.

ويوضح كيف كان القدماء مهتمين بأخبار ومرويات عن أمور وقعت، لكن الأخبار الشفاهية بقيت مجرد أخبار ولم تتخذ جنسا معينا في البداية، وسادها الاضطراب في العصر الإسلامي الأول بسبب قصر المادة المروية أو تصادمها مع المرويات الأخريات، وتكذيب علماء الحديث لقسم منها وكذلك مواقف الرواة المنحازة تلك الأيام ما أدى إلى مادة خام للمؤرخين الكبار لتدخل دائرة التكرار والاستنساخ .

• ظهور ابن خلدون

لكن عواد يكشف أن التجديد الذي من الطبيعي أن يطرأ على كل مناحي الحياة قد طال تجديد الرؤية للأخبار والحوادث وأساليب روايتها، وهذا ما لم يتحقق كاملا وناضجا قبل ظهور ابن خلدون بسبب غياب الاستقرار الاجتماعي والسياسي من جهة، وغياب المناهج الحديثة الذي وضع الأسلاف بين وسطية القبول والرفض من جهة أخرى.

يقول: "من هنا تكون الحادثة مادة التاريخ. وإن التأثير الذي يمارسه التاريخ على وجودنا المتنوع يتجلى في تنوع التعامل مع الحوادث، التي أصبحت ليست حكرا على المؤرخ فقط. فتطور الحياة الاجتماعية وتنوع صراعاتها جعل من الحادثة أرضا تتقاطع على تربتها نوايا واتجاهات مختلفة. وحتى تلك الحوادث التي لا تملك اتجاها فهي لم تنج من التأويل والتهويل وكلاهما صيرتها الأغراض نهبا للجميع، السياسي والتاجر والمثقف ورجل الدين والعالم والمؤرخ وغيرهم، ولكن بعد وقوع الحادثة ووضوح عناصرها تبدأ أغراض الرواة بالعمل على إبراز هذا العنصر أو ذاك لتحديد طبيعة الحادثة التي ينبغي روايتها .

تناول الباحث في الفصل الأول الحادثة من وجهة نظر السياسي والديني والأدبي وما تحمله من أغراض وتداعيات وأساليب للروي، وفي الفصل الثاني عمد إلى دراسة أساليب استخدام الحادثة في الكتابة السيرذاتية باعتبارها الأكثر كثافة وتنوعا بذلك، فهو لم يعتمد "كليا" على الدراسة الأدبية التي تحفر في طبقات السرد والمقدمات النصية لتحديد شكل الكتابة السيرذاتية، لكنه توقف أكثر من أي شيء آخر عند الحادثة في تحديد ذلك، من خلال عناصرها في المكان والزمان والأفراد والظروف المحيطة وقدرتها على التأثر والتأثير، البقاء أو الذوبان والنسيان في الحراك الاجتماعي.

يقول: "وهذا ما نلمسه في أسباب الكتابة والأهداف التي تقف خلفها والظروف التي صاحبت ظهورها في منطقة تعتبر من أكثر المناطق صراعا ودموية. وهو ما ألقى بظله على بنية الحادثة السيرذاتية "المحتدمة أو الهادئة" وأسلوب روايتها والأغراض والإنتماء والمهنة التي تقف خلف إبراز عنصر دون غيره ، مؤديا كل ذلك إلى إعادة إنتاج الحادثة".

ويعتبر المؤلف أن من واجب أي باحث الاستمرار في البحث عن الحقيقة، لأن البحث لا ينتهي، والاستماع للرواية أو الحادثة من أكثر من مصدر بغرض اكتشاف بعدها التاريخي وأهمية وسبب رويها بالشكل الذي وصلت إلينا، فهناك فرق بين ما يرويه السياسي والشاعر والتاجر وإمام المسجد وغيرهم، مما أدى من وجهة نظره إلى زيادة في كتابات الأدب الشخصي بشكل لافت تعبيرا عن حركة المجتمع وتطوره، خصوصا بين الشرائح المتعلمة والمثقفة أو تلك التي هاجرت قسرا أي أن تراكم التجارب أنتج تنوعا في الأساليب والأغراض في كتابة هي في الأساس تشرب من مياه متشعبة في السياسة والفن والتاريخ والأدب والجغرافيا وتفاصيل الحياة اليومية.

وأفرد المؤلف في الفصل الثاني بحثا عن فترة الطفولة عند مؤلفي السير والمذكرات، ودور الذاكرة واللغة والمخيلة في الوصول إلى الزوايا المعتمة في البدايات البعيدة، وتأثير ذلك على بنية الحادثة الواقعية وعناصرها في الزمان والمكان والأفراد ولماذا اختصر كثيرون فترة الطفولة ثم عبروا مسرعين إلى جزء آخر من التجربة؟ في الوقت الذي توقف فيه آخرون عند فترة الطفولة فقط باعتبارها الأساس لكل شيء. ولماذا لم يستطع بعض المؤلفين فصل الماضي عن الزمن لغرض رؤيته أفضل والتوقف عنده أكثر؟

ثم أنهى الفصل الثاني ببحث عن إمكانية المجموعة في رواية مذكراتها. ويرتكز في طرحه على أن الأدب الشخصي من السرديات التي تمتلك بطلا واحدا يروي عن نفسه وعن الآخرين، ولكن عند الطوائف المعزولة أو المجموعات السياسية المتحصنة في الجبال، والتي تعيش في ظروف متشابهة وحوادث قليلة يساهم الجميع في صناعتها وروايتها، مما ينتج حكاية واحدة متعددة الأصوات عن تجربة معينة أو فترة زمانية محددة ومكان بعيد ومعلوم .

يقول الكاتب: توسلنا في ذلك الحادثة المعزولة وقدرتها على البقاء في الذاكرة، وعلى تحولها إلى واقعة قد تشكل جزءا من تاريخ المجموعات التي يتكون منها البلد. بقي أن نشير إلى التنافضات التي تسم موضوع الحادثة أحيانا، حيث إن مرده ليس خللا في بنية الحادثة أو في موقعها بين جاراتها بقدر ما هو نقص في أدواتنا المعرفية أو تصادم في الأغراض السياسية والاجتماعية التي تقف خلف استخدام الحادثة عند من ساهموا في صناعتها وروايتها، أو في تراكم الحوادث وتنوعها الذي يوحي بالتشابه حينا وبالاختلاف أحيانا".

يذكر أن كتاب "إعادة إنتاج الحادثة"، صدر عن دار نينوى ، دمشق.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
تفضيلات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر
مشروع الكيبل البحري
رئيس الوزراء/ د.أحمد عبيد بن دغر
دولة رئيس الوزراء.. سنعود ياعدن